السيد كاظم الحائري

582

تزكية النفس

الإسلام أو رضا اللّه تعالى أو سبيل الجنّة من ناحية ، والمصالح الشخصيّة التافهة من ناحية أخرى ، فيرى الإنسان الاعتيادي الواقف في بداية الطريق نفسه متحيّرا ومخيّرا بين الجنّة والنار ، أو بين الخير والشرّ ، أو بين نوعين من المصالح ، وهذا المشهد حينما يكون قويّا يخلق في نفسه هزّا عميقا عظيما ، وينتهي - عادة - إلى تبدّل الحالة النفسيّة إمّا إلى جانب الارتقاء والسعادة والسموّ الروحي ، أو إلى جانب السقوط في الهاوية والشقاء والخسران ، وكلّما كان مشهد التقابل بين المصلحتين أقوى ، كانت الهزّة النفسيّة أشدّ ، والتكامل أو السقوط أقوى وأعظم . ونذكر لذلك مثلين : أحدهما : من أولئك الذين كانوا من أهل السعادة ، فأثّر فيهم هذا المشهد وأحدث تلك الهزّة ، وانتهى إلى الانتقال الفجائي إلى الكمال وطيران الروح في سماء المعالي والفضيلة ، ألا وهو : حرّ بن يزيد الرياحيّ رحمه اللّه ، فأنت تعلم أنّ حرّا رحمه اللّه لم يكن في بداية أمره يعتبر من الصالحين ، بل ارتكب تلك الجريمة النكراء ، وهي : أنّه جعجع بالحسين عليه السّلام وأصحابه وأهل بيته في وسط الطريق ، ومنعهم عن الرجوع ، وألجأهم إلى سلوك المخاطر ، ولكنّ الذي غيّر نفسيّته الوضيعة ، وأوصلها إلى خير مراتب الكمال فجأة ، هو ما أحسّ به دفعة من مشهد الصراع النفسي بين الحقّ والباطل ، حينما انكشف له أنّ أقلّ الأمر الذي سيقع هو : قتال شديد ، أيسره أن تسقط الرؤوس ، وتطيح الأيدي ، فدار أمره بين الاحتفاظ بالحياة الرخيصة والأمن لدى طاغية الوقت ، وبين ترك الدنيا وزخرفها والانتقال إلى صفّ الهدى والتضحية في سبيل إمام المتّقين الحسين عليه السّلام ، وأخذته الهزّة في جميع أعماقه هزة عظيمة ، وارتعدت فرائصه ، فقال له مهاجر بن أوس : « . . . إنّ أمرك لمريب ، واللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا ، ولو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟